عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
107
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
[ الإسراء : 85 ] ولما كان الروح أول مقدر تعلقت به القدرة كان أقرب الموجودات إلى الحضرة وكان في جوار رب العالمين ، إلى أن رده اللّه إلى أسفل سافلين القالب الإنساني . أي : أمره بالتعلق به ولا تظنن أن كيفية تعلق الروح بالقالب ككيفية جسم بجسم أو تعلق عرض بجسم ليكون له الدخول والخروج والصعود والنزول ، كما هو معتاد الأجسام اللطيفة والكثيفة ، بل تعلقه بالقالب بنفخ الحق فيه بلا كيفية ولا تشبيه كما نطق به القرآن والحديث ، فأما حقيقة رد الروح إلى أسفل سافلين القالب ، بأن رد وجهه الناظر الذي كان به ناظرا إلى الحضرة إلى جهة تربية النطفة في الرحم ليقلبها بالأربعينات علقة ثم مضغة ثم يكسو العظام لحما ثم يتم نفخ الروح فيه فصار بهذا الاعتبار مقبلا على القالب وحظوظه مدبرا عن الحضرة وحقوقها فباعتبار توجه الروح إلى القالب بالأمر وشغله بتربية القالب عبر عن قوله : ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ( 5 ) [ التّين : 5 ] وإلا فالروح ما تحرك من مكانه في جوار الحق تعالى . ولهذا قال تعالى : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ ق : 16 ] فلو نظرنا إلى أصل فطرته وأنه أول مقدور تعلقت به القدرة فهو أقرب الأقربين إلى الحضرة ، ولو نظرنا إلى رده بالتوجه إلى أسفل سافلين القالب لشغل رتبته فهو أبعد الأبعدين عن الحضرة ، وإنه لما رد القالب عبر نور نظره على عالم الأرواح ، ثم على العرش والكرسي والسماوات السبع وما فيهن من الملائكة الروحانيين والكروبيين وحملة العرش والكرسي والبروج والأنجم والكواكب السيارة والثوابت والأجرام والنفوس السماوية ، ثم على الأثير والنار والجن والشياطين ، ثم على الهواء والماء والأرضين السبع ، ثم على المركبات من الأجزاء العنصرية كأصناف الجمادات والنباتات والحيوانات إلى القالب الإنساني وهو أسفل السافلين على الحقيقة ، إذ ليس تحته شيء أبعد منه إلى الحضرة لأنك إذا اعتبرت الموجودات وجدت أبعدها عن الحضرة عالم الأجسام ، وإذا اعتبرت عالم الأجسام بأسره وجدت أبعده عن العرش الذي هو أقرب شيء من عالم الأجسام إلى الحضرة أصناف المركبات من الجواهر العنصرية التي منها قالب الإنسان . ومن أصناف المركبات كل ما كان أبعد عن الاعتدال الحقيقي وهو استعداد قبول الفيض الإلهي كان أقرب إلى الطبيعة العنصرية ، وكل ما كان أقرب إلى الاعتدال الحقيقي كان أبعد عن الجواهر العنصرية ، قالب الإنسان أقرب إلى الاعتدال الحقيقي فإذا هو أبعد عن الجواهر العنصرية ، فصورة قالب الإنسان أبعد المركبات عن الحضرة فهو أبعد الأبعدين ، وروحه أقرب الأقربين إلى الحضرة وما كان شيء في عالم الأجسام علويها وسفليها إلا وقد ركب في قالب الإنسان ما هو زبدته وما كانت خاصيته ، في عالم